حياة ومنطق الخيال: خديجة مروازي حوار مع

حياة ومنطق الخيال

خديجة مروازي حوار مع

خديجة مروازي أستاذة الأدب في جامعة ابن طفيل في القنيطرة، المغرب، وناشطة في مجال حقوق الإنسان. وهي عضو في اللجنة العلمية لمجلة “دفاتر السجين” المغربية ومجلة دراسات حقوق الإنسان، والأمين العام والعضو المؤسس لمنظمة “الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان”. تاريخ الرماد هي روايتها الأولى. تعيش في المغرب

Saliha Haddad

بواسطة حداد صليحة

أجريت هذا الحوار بين الجزائر والمغرب، عبر رسائل البريد الإلكتروني

صليحة حداد :تهانينا على نشر هذه الرواية المهمة جدًا؛رواية السجن الأساسية التي يجب قراءتها. شكرًا لك على نشرها في العالم، شكرًا للمترجم ألكسندر إلينسون على ترجمته من العربية إلى الإنجليزية بكل عناية وإخلاص لضمان التقاط اللغة الشعرية للرواية الأصلية.

لقد كان كتاب “سيرة الرماد” من أكثر القراءات قسوة بالنسبة لي. مفتونة باللغة ومصير الشخصيات ولكني عانيت من الكوابيس والقشعريرة بسبب الأوصاف الرسومية لما يعنيه أن تكون سجينًا سياسيًا في ذلك الوقت في المغرب وحتى الآن، قد أكون على حق عندما أقول ذلك، في كل مكان في العالم.

تبدأ الرواية بتكريم الشعر حيث يقول مولين أن “الشعر غالباً ما يكون بمثابة البوصلة التي تمنعك من الضياع”. هل مازلت تحملين هذا الاعتقاد في عالم يقدم باستمرار أسبابًا لعدم القيام بذلك؟

خديجة مروازي:شكرا لك سيدتي على رأيك الذي أعتز به سواء بشأن الرواية أو بخصوص مستوى الترجمة،

بالنسبة لاستدعاء سيرة الرماد للشعر، فغالبا ما يتجاوز منطق الكتابة تصورات الكاتب عنها، فحين باشرت الكتابة لم أكن أحمل معي أكثر من محفز يتحدد في ما تراكم عربيا من سرد سجني مصحوبا بتساؤل متواتر بخصوص محدودية أو غياب هذا النوع من الكتابة السجنية ضمن الرصيد السردي بالمغرب بالرغم من وجود ظاهرة الاعتقال السياسي، وهي تساؤلات صاحبتني خلال الثمانينيات، و حين بدأت في رفع التحدي لخوض هذه التجربة بداية التسعينيات، لم يكن المتخيل السجني يسعف الكتاب بعد  كأفق للتخييل بل كان ما يزال ملكا فقط لمن عاش تجربة الاعتقال السياسي،

بالنسبة لسؤالك ان كنت ما أزال أحمل الاعتقاد بأن الشعر بمثابة بوصلة ضد الضياع في عالم يقدم باستمرار أسبابًا لعدم القيام بذلك،فقدلا أستطيع الحسم في ذلك، لأنه اعتقاد مولين في الرواية، وبناء الشخوص فكريا ووجدانيا يشغلني باستمرار، كأصوات حاملة لمختلف وجهات النظر المتاحة والممكنة، كان لا بد لمعتقل كمولين سكن السجن وغالب فيه اختناق النفس وضيق الفضاء على مدى عشريتين أن يكون الشعر من بين آليات الصمود ومستلزمات المقاومة من أجل البقاء.

” لك التخييل له منطقه وحياته الخاصة ودينامياته التي تتخلق مع كل سطر ومقطع وصفحة ضدا في أي سلطة مسبقة وجاهزة للكاتب او الكاتبة.

صليحة: هل يمكنك أن تستشهدي/تخبرني عن القصيدة/الأشعار التي تمنحك أكبر قدر من الراحة في أحلك الأوقات؟

خديجة: لشعر مريد البرغوتي مكانة خاصة في وجداني في كل الظروف في الحزن كما في الفرح، تعرفت على قصائد مريد صدفة وأنا اتصفح احدى المجلات لأبي، كنت يومها في مرحلة الثانوي بآسفي، وبعد الالتحاق بالجامعة بمراكش حاولت سنة 1982، تركيب بعض نصوصه الشعرية في لوحة مسرحية قدمها أطفال ويافعون بإحدى دور الشباب التي تحتضن الأنشطة الفنية والثقافية بمدينتي آسفي،وأحيانا وأنا ادرس مند ثلاثة عقود بالجامعة، ومن حين لأخر لا أجد لطلبتي أبلغ من شعره واستعاراته لتوصيف بعض الوضعيات. طلبتي ينبهرون بديوانه “منطق الكائنات” وكيف تمكن في سطرين أو ثلاثة أسطر من أن ينطق كل تلك الكائنات من قبيل القلم، المزهرية، المرآة، عمود الضوء، حبل الغسيل…

صليحة :لا تخجل الرواية من الوصف التصويري لظروف السجن وخاصة أوقات التعذيب. والاقتباس الذي بقي معي أكثر هو هذا

“وبعد ذلك أجد نفسي معلقًة رأسًا على عقب، ثم ملقاة على الأرض السوط يتتبع خطوط الدم في جميع أنحاء جسدي، الدم من داخلي. عندما أدركت أنني حائض، بكيت بشدة لأنني نسيت الأمر. لقد نسيت أن أنسى أنني امرأة. لقد بكيت بشدة أكثر مما بكيت من قبل”

كيف قمت بالبحث حول الممارسات في السجون؟ أو بالأحرى كيف أثر عملك كناشطة في مجال حقوق الإنسان وكعضوة في اللجنة العلمية لمجلة دفاتر السجين المغربية على كتابة الرواية؟

 

خديجة: لكي أكتب عن السجن وعن الاعتقال،لم أحس بالحاجة إلى إجراء أبحاث قبلية، لكن ما ينبغي الإحاطة به ويكون من المستلزمات الضرورية للكتابة هو استيعاب السياقات السياسية العامة والخاصة للبلد وللنخب وللتعبيرات التي ستكون موضوعا للتضييق والاعتقال خلال السبعينيات والثمانينيات، وهو السياق الذي يتم معه الاحتكاك والاشتباك يوميا بالنسبة للفاعلين في مجال الحقوق والحريات، بموازاة ذلك كانت زياراتي لبعض السجون محدودة قبل كتابة “سيرة الرماد”قياسا لما بعد كتابتها. أومن بأن الكتابة كما تتغدى من القراءة تتغدى من الغوص في الواقع لكن التخييل لا يتحقق الا بالابتعاد عنهما، قد يحضر بعضهما حضورا خفيفا أو يحفز على ظلال بعض الوقائع، لكن التخييل له منطقه وحياته الخاصة ودينامياته التي تتخلق مع كل سطر ومقطع وصفحة ضدا في أي سلطة مسبقة وجاهزة للكاتب او الكاتبة.

صليحة :الرقابة لا تتوقف بمجرد إيداع المعتقلين في السجون لفترات طويلة في الأغلب. ومن ممارسات الرقابة إبعاد السجناء عن بعضهم البعض خلال السنوات الأولى كما هو موضح في الصفحات الأولى. لماذا تعتقدين أن هذه الحاجة للرقابة حتى في السجون خلف أبوابها المغلقة؟ هل لأنه حتى في السجن، لا يزال المعتقلون السياسيون يمسكون بالسلطة بشكل ما، والرقابة هي اعتراف ضمني من الحكومة بهذه السلطة، وبالتالي حاجتها إلى اتخاذ إجراءات لاحتوائها؟

خديجة: فعلا، وهو ما تؤكده تجارب الاعتقال السياسي في العالم، حيث الخرق الصارخ للقوانين ذات الصلة قبل وخلال المحاكمة وبعدها، وفي الحالة المغربية هو ما أقرت به هيئة الانصاف والمصالحة كاعتقال تعسفي جسيم، وهي اللجنة التي أحدثتها الدولة المغربية سنة 2004، لإعمال النظر في الانتهاكات التي جرت ما بين 1956 و1999. للكشف عن حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات وجبر الأضرار وبلورة توصيات عدم التكرار.

صليحة :أثناء قراءتي للرواية صادفني ذكر فلسطين وتغطيتها إعلامياً ومن الجنون أنه بعد سنوات من كتابة الرواية لا تزال فلسطين وتغطيتها إعلامياً قضية كبيرة. ما رأيك في هذا ولماذا اخترت إدراج هذه الملاحظة الصغيرة السريعة والملفتة للنظر حول فلسطين وتغطيتها الإعلامية؟ وما هي أفكارك حول ما يحدث الآن في فلسطين؟

'History of Ash' by Khadija Marouazi

خديجة: بالرجوع لما توفر من كتابات  قبل الاعتقال أو التي تسللت لمعتقلين من بين القضبان تبدو القضية الفلسطينية قضية جوهرية في فكر ووجدان اليمين واليسار المغربي بمختلف اطيافه وضمنه من تعرضوا للاعتقال، بل هي كذلك بالنسبة  للمغاربة بمختلف فئاتهم وأعمارهم، وبالتالي الكتابة عن وعي وعن غير وعي لا يمكنها القفز عن ذلك، لا امتلك اليوم تفاصيل ما كتبت عن فلسطين في رواية عمرها ثلاثة عقود لان زمن كتابتها ليس هو زمن نشرها، لكنني استرجع أيضا بعض المحاولات التي سبقت كتابة سيرة الرماد، حين كنت أقدم ولفترة قصيرة أعتقد سنة 1989، بصفحة اليوم الثامن  لجريدة العلم المغربية كل ثلاثاء بورتريهات لوجوه نسائية فلسطينية، منها من استشهد يومها  أو تقبع بسجون الاحتلال، ما تزال ذاكرتي تحتفظ بأسماء لفاطمة برناوي، رندة النابلسي وحياة البلبيسي.

صليحة :الرقابة والحظر والطرد والإلغاء هي الكلمات التي ترددت للحديث عن العديد من الفنانين والصحفيين والأكاديميين عندما تحدثوا لصالح وقف إطلاق النار في غزة. ما هو موقفك من كل ذلك، خاصة ككاتبة أولاً، ثم كأكاديمية تعمل بشكل وثيق في مجال الرقابة السياسية والسجن السياسي؟

خديجة: وقف إطلاق النار لم يطالب به فقط الفنان والصحفي والأكاديمي بل كل شعوب الأرض تطالب به، وصوت العالم واضح اليوم في اصطفافه إلى جانب الحق وأصحابه، وهو مكتسب أصيل لكنه باهض الثمن بالنظر لأعداد الضحايا قتلى وجرحى والحاملين لإعاقات مستديمة من كل الفئات والأجيال، وهو مكتسب يؤسس في الوقت ذاته لتحول تاريخي في القضية في علاقة بالوعي والرأي العام العالمي،

بالنسبة لمجال اشتغالي الأكاديمي فلا علاقة له بمجال الرقابة السياسية، إلا من خلال ما توفره النصوص الإبداعية كمتون لتحليل الخطاب وهو مجال تخصصي بكلية اللغات والآداب والفنون حيث أدرس.

صليحة: لقد قام المترجم ألكسندر إلينسون بعمل مذهل كيف كان تعاونكما وما هي الصعوبات التي واجهتكما خلال كامل العملية؟

خديجة: لم تكن هناك صعوبات في التعامل مع الأستاذ ألكسندر إلينسون، لقد أبهرني بجديته وصبره وحسه الأدبي الراقي وحرصه كل مرة نتواصل فيها كتابة، على الدقة في أسئلته وفي افتحاصه للكلمات ضمن استعمالها المعجمي العام واستعمالاتها الخاصة حين تحضر اللهجة المحلية وسياقاتها و تمثلاتها، كل ذلك باستماته ورقي بالغ،

عندما كتبت سيرة الرماد كنت أطمح فقط للتوثيق لمتخيل سياسي عبر التخييل الروائي الصرف، وكنت محكومة في خلفيتي بالتوجه فقط إلى قراء مغاربة وقد تصل الرواية للقارئ العربي، لكنني لم استحضر حينها أن ينكتب لسيرة الرماد الترجمة الى الإنجليزية، وبالأحرى أن أستحضر أن يكون لها حظ الترجمة على يد مترجم كآليكسندر إلينسون لغته الأم هي الإنجليزية. سأظل ممتنة له ومنبهرة بقدراته واستماته في تطويع سيرة الرماد واخراجها من بين القضبان ليجعلها نصا متاحا حين رحل بها خارج الحدود.

صليحة: أعتقد أنني قرأت في مكان ما أنك تعملين على رواية جديدة. إذا كان الأمر كذلك هل يمكن أن تخبريني المزيد عن ذلك؟ أتمنى أن أكون على حق وسأنتظر عملك القادم بشوق.

خديجة: فعلا، الرواية الثانية كتبتها مند عشرين عاما بفارق عشر سنوات مع الأولى، ركنتها جانبا كل هذه السنوات لأنني كنت أحس بعدم اكتمالها، عدت لها مرات قليلة لقراءتها وكلما فعلت ذلك أحسست بالبياضات التي لا تحتاج فقط لتركيب الكتابة وإيجاد منافد فيها من أجل انهاء عمل ما. لكن بعض العناصر المنفلتة مني خلال رحلتي مع كتابتها وجدتها مؤخرا ومند خمسة أشهر فيما يجري ضمن السياق العالمي العام، وتفاعل السياقات الخاصة مع كل ذلك. أتمنى أن أوفق في ملأ تلك البياضات بما يتلاءم مع الموضوع. 

تمت ترجمة المقابلة من العربية إلى الإنجليزية من قبل صليحة حداد والبروفيسور ألكسندر إلينسون

Saliha Haddad

صليحة حداد كمحاورة أدبية في Africa in Dialogue وظهرت مراجعاتها للكتب في The Other Side of Hope، The New Arab و The Transnational Literature . تم نشر أعمال حداد الإبداعية أو ستصدر قريبا في مجلة Agbowó، و Isele Magazine، و Newlines Magazine. وفي عام 2021، تم إدراجها في القائمة المختصرة لجوائز The African Writers Awards وفازت بالمركز الأول في المسابقة الافتتاحية

صليحة حداد

محاورة للروايات

Alexander Elinson

ألكسندر إلينسون أستاذ مشارك في اللغة العربية ورئيس برنامج اللغة العربية في كلية هنتر بجامعة مدينة نيويورك. بالإضافة إلى كتابه “نظرة إلى الأندلس: شعرية الخسارة والحنين إلى الماضي في الأدب العربي والعبري في العصور الوسطى”، كتب على نطاق واسع عن الشعر والنثر العربي والعبري الكلاسيكي، وكذلك عن سياسات اللغة المعاصرة والأيديولوجية، وروايات السجون، والثقافة الشفوية والمكتوبة في المغرب. ترجم روايتين ليوسف فاضل: “قطة بيضاء جميلة تمشي معي” و”سمكة حمراء متلألئة تسبح معي”، وقد وصلت الأخيرة إلى القائمة القصيرة لجائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية العربية لعام 2020. كما ترجم رواية “هوت ماروك” للمخرج ياسين عدنان التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة سيف غباش بانيبال لعام 2022. نشرت ترجمته لرواية سجن خديجة مروازي “تاريخ الرماد” في عام 2023 ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الأدب للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لعام 2024. يعمل حاليا على ترجمة رواية عمارة لخوص الأخيرة “عصفور الليل” ورواية “نهاية الصحراء” لسعيد خطيبي

ألكسندر إلينسون

مترجم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *